فهمى هويدى يكتب عن امين هويدى

05 نوفمبر 2009 by: Unknown




لولا ما نشرته صحيفة «معاريف» عن العم أمين هويدي، لما خرجت عما ألزمت به نفسي في الكتابة منذ عقود، ألا أشغل القارئ بما هو شخصي أو عائلي. وهو بالمناسبة ذات الموقف المتجرّد الذي ألزم به نفسه بصرامة شديدة، في كل موقع شغله أو منصب تولاه.
لقد سلطت الصحيفة الإسرائيلية الضوء على جوانب في حياة الرجل وسجله العسكري لم يتطرق إليها الإعلام المصري، دلت على أنهم هناك يتابعون أعداءهم بدقة ويعرفون عنهم الكثير، في حين أننا لا نقدر رجالنا حق قدرهم فحسب، وإنما التبس الأمر على البعض منا، بحيث لم يعودوا يعرفون من هم أعداؤنا بالضبط.
قالت «معاريف» في عددها الصادر يوم الاثنين الماضي 2 نوفمبر الجاري إنه خلال رئاسته لشعبة العمليات بهيئة الأركان المصرية وضع خطة الدفاع عن ميناء بورسعيد، كما أنه كان مسؤولا عن جبهة الدفاع عن القاهرة خلال العدوان الثلاثي عام 1956، وبعد هزيمة 1967 عُيّن رئيسا لجهاز المخابرات العامة، وفي فترة رئاسته للجهاز تم اكتشاف 53 عميلا لإسرائيل في مصر، قُدّموا إلى المحاكمة في 30 قضية تجسّس. من هؤلاء 19 أُعدموا والباقون حُكم عليهم بالسجن.
لم تتحدث الصحيفة الإسرائيلية عن دوره في الإشراف على عملية إغراق الحفار عند ساحل العاج عام 1970، ولا عن قصف ميناء إيلات في عام 1969. أغلب الظن أن العمليتين من نماذج النجاحات التي حققتها المخابرات والوحدات الخاصة في الجيش المصري، ووجهت ضربتين موجعتين لإسرائيل.
مع ذلك فإن ما ذكرته يظل قليلا من كثير يحفل به سجل ذلك الرجل النادر، الذي يُعد أحد رموز العسكرية الوطنية التي لم تتخل عن الاقتناع بأن إسرائيل هي عدو مصر الأول، وأن مصيرها إلى زوال، طال الزمن أو قصر.
لقد أدهش أمين هويدي كل الذين عرفوه، ووجدوا فيه تجسيدا حيا لمثل العسكرية الوطنية المصرية وأخلاقياتها، ذلك أنه ظل نموذجا للنزاهة والكبرياء والاستقامة، فلم يحسب على أحد، ولا جامل أحدا على حساب حق أو قيمة، ولم يتخل عن جرأته وصراحته في أدق المواقف وأحلك الظروف.
لا يقل عن ذلك أهمية أنه ظل نظيف اليد طوال الوقت، فلم ينتفع من أي منصب تولاه، ولم يدخل جيبه أو بيته قرش من خارج مرتبه الرسمي، حتى إنه ربما كان المسؤول الوحيد الذي إذا سافر في مهمة، فإنه كان بعد عودته يرد ما تبقى معه من بدل السفر، بعد أن يقدّم بيانا بكل قرش أو دولار صرفه.
وفي العام الماضي حين فوجئ بتدهور بصره، وتقرر إيفاده على نفقة الحكومة للعلاج في ألمانيا، فإنه رفض أن يستخدم حقه في اصطحاب مرافق له من أسرته رغم أنه كان في أمسّ الحاجة إليه، حتى لا يحمّل ميزانية الدولة أعباء تزيد على متطلبات العلاج الضرورية. وكأي فلاح مصري، فإنه لم يكن يحلم بأكثر من أن يمتلك بيتا يؤويه هو وأسرته، وقطعة أرض تستره، لذلك فإنه بنى بيتا في مصر الجديدة على أرض تملكها بالتقسيط كغيره من الضباط في بداية الثورة، واستبدل معاشه ليشتري ستة أفدنة في «بجيرم» ـ موطن الأسرة ـ بمحافظة المنوفية.
وفي حياته اشترى سيارتين، واحدة من طراز مرسيدس اضطر إلى شرائها في سنة 62 حين كان سفيرا في العراق، وقد بقيت معه طوال 19 عاما، إلى أن استهلكت فباعها في سنة 81. ولم يكن بمقدوره أن يشتري أكثر من سيارة «دوجان» ـ إنتاج مصري ـ في سنة 86، وهذه بقيت معه حتى وفاته أي طوال 23 سنة.
في أوج مجده الوظيفي، فإنه رفض أن يستخدم نفوذه لتعيين ابنه هشام بعد تخرّجه في كلية الهندسة في أي وظيفة من تلك التي يتطلع إليها أبناء الأكابر، رغم أنه كان يمد يد العون للعديد من أبناء «بجيرم» الذين كانوا يلجأون إليه. كما أنه رفض أن يتدخل لمصلحة ابنته مها حين جرى التسويف في تحديد موعد مناقشة رسالتها للدكتوراه، حتى يظل اسمه بعيدا عن أي شبهة أو تقوّل.
في حياته الخاصة كان في دقته وانضباطه ونظامه اليومي أقرب إلى تقاليد الثكنة العسكرية، ينام ما بين التاسعة والتاسعة والنصف مساء، ليستيقظ قبل الفجر، حيث يصلي ويقرأ القرآن، ثم يستريح قليلا ليجلس على مكتبه مع طلوع الشمس، وبعدما خرج من سجن الرئيس السادات في سنة 1971، كان يقضي أغلب ساعات النهار في حجرة مكتبه، الأمر الذي مكّنه من أن يُصدر قائمة كتبه التي وصلت إلى 25 كتابا، أغلبها باللغة العربية وأقلها باللغة الإنجليزية، وفي كل ما كتب لم يتخلّ عن شجاعته وأمانته الشديدة.
ومن أبرز كتبه مؤلفه «الفرص الضائعة»، الذي طُبع في بيروت، وسجل فيه شهادة لم يسبقه إليها أحد، إذ كذَّب أسطورة «الضربة الجوية» التي قيل إنها تمت في حرب 73، وروّج لها الخطاب السياسي والإعلامي لاحقا، ومما ذكره في هذا الصدد أنه كانت هناك «طلعة جوية» فقط قامت بمهمة وحيدة في بداية الحرب.
بعدها نقلت كل الطائرات المصرية إلى أحد مطارات الصعيد لإبعادها عن مسرح العمليات، حيث كان تقدير القيادة العسكرية آنذاك أنه يجب تجنيب الطيران المصري دخول المعركة، نظرا لتفوق الطيران الإسرائيلي، ومن ثم حرصا على عدم إقحامه في مواجهة غير متكافئة.
وكانت تلك الشهادة الصادمة سببا في منع دخول الكتاب إلى مصر حتى الآن.. رحمه الله.



أرسل إلى خبرية
...تحت تصنيف: