هكذا انتصر فقهاء الظلام على طه حسين

06 يناير 2010 by: Unknown



لقد تمكّن شيوخ الأزهر من عميد الأدب العربي أخيراً، بعد ثمانين عاماً على «الأيام». المؤسسة الرسميّة في مصر رضخت لضغوطهم، وسحبت الرواية من مناهج المرحلة الثانويّة. بعد تغريم جابر عصفور ومنع علويّة صبح، الانحطاط يواصل زحفه على عاصمة النهضة العربيّة


بكت سمية. استيقظت في الصباح على مكالمة من صديق يخبرها أن وزارة التربية والتعليم المصريّة قررت إلغاء رواية «الأيام» لطه حسين من منهج الثانوية العامة، والسبب اعتراض رجال الأزهر على الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عام 1929. درست سمية الرواية في السبعينيات حين كانت طالبةً في الثانويّة، ثمّ قرأتها لابنتها قبل عامين حين كانت هذه الأخيرة في الثانوية أيضاً. تكاد تحفظ النص، وما طرأ عليه من تعديلات. في السبعينيات، كان النص كاملاً، لم تمتدّ إليه يد. أما في نسخة ابنتها، فتغيّرت الأحوال. لقد ثأر رجال الأزهر من عميد الأدب العربي، بعد كل هذه السنوات. تمكنوا من فرض حذف مقاطع طويلة من النص. كان ذلك قبل أربعة أعوام، حين كلّفت وزارة التعليم أحد النقّاد أن «يعالج» النصّ و«يهذبه» ويحذف ما يراه مناسباً، وبررت خطوتها بأنّ الرواية طويلة، وخصوصاً أنّ الوزارة ملتزمة عدداً معيناً من الصفحات. صدّق أو لا تصدّق!
لكن يبدو أنّ الحذف لم يشف غليل رجال الأزهر، وإذا بهم يعودون هذه المرة ليطالبوا بإلغاء النص بأكمله من مناهج المرحلة الثانويّة. ومرّة ثانية، استجابت لجنة تطوير المناهج لطلباتهم. مستشار اللغة العربية في وزارة التعليم حسين بخيت صرّح بأنّ «الأيام» تحتوي على بعض الأقوال والسلوكيات التي «تسيء إلى الأزهر ورجاله»، مضيفاً أنّ «الإعداد التربوي لها لم يكن على المستوى المطلوب». أما رشدي طعيمة من لجنة تطوير مناهج اللغة العربية، فكان أكثر دبلوماسية وكياسة، إذ رأى أن قرار إلغاء الرواية من المنهج في مكانه، «لأن التغيير مطلوب دائماً، ولا بدّ من اختيار كتاب جديد يواكب متطلبات العصر. لقد أدت قصة «الأيام» وظيفتها في مرحلة معينة» على حد قوله. لكنّ سؤال القصّة البديلة بقي خفياً على سيادة المستشار الذي لم يقل لنا ما هو النصّ «المُواكِب للعصر» الذي سيحلّ محلّ سيرة طه حسين. علماً بأنّ لعنة المحافظين طاولت سابقاً نجيب محفوظ، فألغيت روايته «كفاح طيبة» من المقررات، بعدما كانت رواية صاحب «نوبل» الوحيدة التي تدخل في المنهج التربوي. ورواية محفوظ تاريخية من أوّل ما كتب صاحب «أولاد حارتنا»، وقد أُلغيَت لمجرد أن كاتبها هو نجيب محفوظ رغم أنّها لا تحتوي على أيّ سخرية من شيوخ الأزهر!
هكذا يتقدّم فقهاء الظلام خطوة خطوة نحو حصار المجتمع ومنع التفكير ومصادرة العقل... ويأتي قرار وقف تدريس «الأيام» مطلع 2010 ليفتح صفحة جديدة من الظلاميّة غير المنظورة في مصر، برعاية الدولة، بعد عام حافل بمختلف أشكال المنع والمصادرة. ألم يشهد الأسبوع الماضي مصادرة رواية علوية صبح «اسمه الغرام»؟ كانت مكتبة «ديوان» قد طلبت من من دار «الآداب» 150 نسخة لتوزيعها في القاهرة، فقام الناشر البيروتي بشحن الكميّة المطلوبة عبر ميناء الإسكندرية، حيث فوجئ الجميع بمصادرة النسخ. لقد ارتأت الرقابة الخارجية على الكتب أن الرواية قد «تثير الغرائز»، واكتفى السيد الرقيب التابع لوزارة الإعلام المصرية بأن يقرأ وحده الرواية قراءةً متمعّنة قبل أن يقرر منعها.


❞صودرت رواية «اسمه الغرام» لعلوية صبح بعدما ارتأت الرقابة أنّها «تثير الغرائز» ❝لنا أن نتخيل كيف سيكون الحال في «معرض القاهرة الدولي للكتاب» الذي ينطلق في 28 كانون الثاني (يناير) الحالي، إذا كان مقصّ الرقيب سيقف بالمرصاد لكل عملٍ أدبي يشتمّ فيه ما يراه غير مناسب... فهل تصادر الدولة المصريّة كتب روسيا، ضيفة الشرف في معرض هذا العام؟
الأسبوع الماضي أيضاً، طالب رجال الأزهر بمنع عرض فيلم «بالألوان الطبيعية» لأسامة فوزي... السبب المعلن اعتبار هؤلاء أنّ شريط صاحب «بحب السيما» يتضمّن «عدداً كبيراً من مشاهد العري، إضافةً إلى تطاول أحد أبطاله على الذات الإلهية وهو ما يظهر في الإعلانات الخاصة بالفيلم عندما يقول بطل الفيلم: أنا عدوك يا رب!». الشيوخ المعترضون لم يشاهدوا الشريط واكتفوا بإعلان شنّ حملة تطالب بوقف عرض العمل (راجع عدد الأخبار 4 كانون الثاني/ يناير 2010، ص 18).
لم تنته محنة أهل الإبداع عند هذا الحدّ. في الأسبوع الماضي أيضاً، حكم على الناقد جابر عصفور، بتغريمه خمسين ألف جنيه (حوالى تسعة آلاف دولار أميركي) لمصلحة الشيخ يوسف البدري... وكان صاحب «نقد ثقافة التخلف» قد نشر مقالاً في جريدة «الأهرام» عام 2007، ينتقد فيه شيوخ الحسبة، ويدافع عن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي حين كان هذا الأخير يواجه بدوره قضيّة مماثلة مع البدري، المعروف بمعاداته للعلمانيين. عندما علم البدري بالحكم الصادر بحقّ جابر عصفور، سأل إن كان أحدٌ يعرف عنوان غريمه «لأنّه إذا لم يدفع الغرامة، فسأقوم بالحجز على ممتلكاته». بعد كلّ هذا، لا يسعنا سوى القول: أهلاً وسهلاً بعام 2010!


أيام في «الأزهر»


غادر طه حسين (1889ـــــ 1973) ابن الصعيد المصري قريته إلى الأزهر، على أمل أن يحقق حلم والده ويصبح شيخاً عالماً. روى عميد الأدب العربي رحلته تلك في «الأيام»، لتصبح سرديات طفولته المرهفة من كلاسيكيات الأدب العربي. قبل أن يترك الأزهر للالتحاق بالجامعة، تتلمذ الشاب على يد الإمام محمد عبده، لكنّه ما لبث أن طُرد من المؤسسة بسبب تبنيه آراء معلّمه التقدميّة. في سيرته التي دُرّست طويلاً كمرجع في الأدب العربي، قبل أن تصبح ملعونةً لدى محافظي آخر زمن، يسرد صاحب «في الأدب الجاهلي»، تمرّده على مناهج الأزهر وشيوخه، في مراجعة للذات والتاريخ وفي تحدٍّ ظاهر للواقع وللأساليب التلقينيّة الدينيّة. يكتب مثلاً: «كان صاحبنا الفتى قد أنفق أربعة أعوام في الأزهر، وكان يعدّها أربعين عاماً (...) وكان الفتى يرى من حوله عشرات ومئات يشقون كما يشقى ويلقون مثل ما يلقى، وتقصر أيديهم عن أقصر ما كانوا يحبون وقد اطمأنوا إلى ذلك وألفته نفوسهم»...


الاخبار

أرسل إلى خبرية
...تحت تصنيف: