عادة متأصلة - ثقافة الثأر فى صعيد مصر .. نظرة شاعرية

02 يناير 2010 by: Unknown



تشكل العادات جنسا أساسيا من أجناس الثقافة الشعبية سواء كانت مأثورا، أو تراثا، وهى الأساليب التي يتبعها الأميون من سكان الريف في معيشتهم.
 ويرتبط صعيد مصر بعادة الثأر، حتى أنها صارت واحدة من علاماته الشهيرة، وترتبط عادة (الثأر) بمجموعة من الممارسات والسمات المختلفة التي تصنع في مجملها ثقافة الثأر. ومن أبرزها ارتباطها بالمجتمع البدوي الذي يقوم علي القبلية بقيمها المختلفة وأبرزها قيمة العار فقتل فرد من الجماعة يعني سبة في جبين تلك الجماعة تنال من تاريخها ومستقبلها أيضا، ومن ثم يتحرك رد الفعل في ذلك الفضاء الواسع، و لا يصبح القصاص من شخص محدد هو الهدف، بل محو العار، ورد الاعتبار لتاريخ الجماعة وهيبتها.


وبحسب قول الشاعر والباحث المصرى فتحى عبد السميع فان رسوخ عادة الثأر وحيويتها في الصعيد لا يمكن رده لسبب بعينه بل هو نتيجة منظومة معقدة جعلت النظام القبلي حيا وفعالا بشكل واضح بمعني أن نظام الدولة منذ ظهوره علي يد محمد علي لم ينجح في استيعاب متطلبات الصعيد بالشكل الذي يتلاشى فيه النظام القبلي وإن البعد الجماعي لعادة الثأر، وقيامها علي قيم مطلقة مثل قيمة العار لا يجعلان من واقعة القتل حدثا منطقيا يخضع لحسابات المكسب والخسارة، وهو ما يسفر عن ممارسات أخري يعود إليها استهجان عادة الثأر بالدرجة الأولي مثل عدم عقد العزم علي قتل القاتل شخصيا، بل طلب الثأر من عائلته برمتها، وعلي وجه الخصوص أفضل رجالها، أو الأفضل بشكل مطلق، وهنا تكمن ثقافة القبيلة ، فواقعة القتل ليست حدثا فرديا يمارسه فرد في حق فرد، القاتل هنا فرد من جماعة يقع عليها الوزر، والمقتول كذلك فرد من جماعة يقع عليها واجب الثأر، فالعدوان حتى لو كان فرديا إلا إنه يمثل انتهاكا لحرمة الجماعة بأسرها، ولذا فهي تطلب الثأر من جماعة القاتل، وإمعانا في تأكيد المعني، قد تختار عصبةُ القتيل رمزا من رموز الجماعة الأخرى، ذلك أن النظام الفعلي قَبَلي في جوهره، فحق القتيل واجب الجماعة لا الدولة، وهي لا تسعي كي تسترد حق المقتول فقط، ولكنها تسترد هيبتها أيضا، ومن ثم تتجاوز عادة الثأر فكرة القصاص من القاتل. بل ويمكن أن نري في فعل القتل مجرد ذريعة لظهور عداء قائم أصلا وهو ليس بحاجة لأكثر من عود كبريت كي تشتعل النار، ومن هنا يتحول المقتول إلي ذلك العود الذي يفجر الموقف بين تكوينين بشريين مهيئين ومستعدين للفرصة المواتية لإثبات المكانة التي يري كل فريق انه جدير بها.


وترتبط عادة الثأر بعلاقة مميزة مع الزمن، فمرور الوقت لا يعني شيئا بالنسبة لحفرة الدم، وهي ليست حدثا عابرا يمكن نسيانه أو السكوت عليه، بل تبقي الواقعة حية ونضرة باستمرار، قد يعبر الزمن بحوافره المختلفة ويطمس الكثير من الأحداث، غير أنه ينحرف عن حفرة الدم ولا يستطيع أن يلمسها، ومن ثم لا تسقط الواقعة بمضي المدة، ومن المعروف أن هناك من يأخذ الثأر بعد مرور سنوات طويلة قد تصل إلي خمسين عاما .


كما ترتبط عادة الثأر بممارسات شعبية مختلفة وأهمها عدم إقامة مراسم العزاء ، وهذا يعني ، قرارا بأخذ الثأر ، في يوم من الأيام ، قد يكون الغد وقد يكون بعد عقود ، وعندما يتم أخذ الثأر، فهناك التشريفة، حيث يقام سرادق العزاء في ظل أجواء من الفرح تبدأ بعد اخذ الثأر مباشرة ويتم التعبير عن ذلك علانية بإطلاق الأعيرة في الهواء .وعندما ترضي العائلة أو القبيلة بالصلح فهناك مراسم (القودة).


لا تبرز ثقافة الثأر في صعيد مصر إلا بحكم ظروف معينة ، لكنها تعتمد علي ثقافة قائمة لا في العالم العربي وحده ولكن في الثقافة الإنسانية بشكل عام ، أو لعل الثأر في الصعيد مجرد مظهر بدائي ومباشر وصغير من مظاهرها الأخرى المنتشرة فيما نعتبره مناطق متحضرة كالمدن الكبرى، و التي تتقنع فيها ثقافة الثأر بملامح أكثر فنا ودهاء وتوحشا . إن عادة الثأر لا تختص بها منطقة دون سواها، بل لها وجودها الواضح عند كافة الشعوب.


ولا شك أن رسوخ عادة الثأر ينهض علي تراث هائل لا يقتصر علي التراث المعروف أو المحفوظ في الكتب التاريخية أو الفنون الشعبية بل إن تراث الثأر يحمل ما لا حصر له من الحكايات غير المعروفة، إذ لكل قرية من القرى حكاياتها المرتبطة بالثأر والتي تنبع من أحداث حقيقية هي الأهم في حياة القرى، والأكثر حضورا في مجالسها، فالواقعة التي نقرأ عنها خبرا في عدة أسطر صغيرة، تشغل مساحة هائلة في حياة الجماعة المحيطة بمكانها، وهنا يتحول فيها الأفراد إلي مؤرخين ورواة شعبيين لا يتوقفون أبدا عند تناقل الخبر بل يحيطونه بالكثير من التفاصيل والتصورات والتخمينات والمتابعات لسير أبطال الواقعة من الطرفين واستدعاء كل ما له علاقة بالثأر في ذاكرة تلك الجماعة وهكذا تتحول الواقعة الجديدة إلي نبع جديد يثري ويجدد ثقافة الثأر ويمد جذورها في أعماق الأجيال الطالعة.


وإذا كانت ثقافة الثأر تدين بالكثير لتلك الحكايات المجهولة بالمعني الواسع لمفهوم الحكاية ـ والتي نحتاج بالفعل لاشتباك المبدعين أو المدونين معها ـ إلا إن ثقافة الثأر ترتكز أيضا علي تراث عام شفاهي ومدون له بعده التاريخي الموغل في القدم، وله حياته الفعالة لا في مجتمع الصعيد المصري وحده، بل في الثقافة العربية بشكل عام.


وقد لعبت المأثورات الشعبية دورا في ترسيخ عادة ( أخذ الثأر ) خاصة في المناطق التي تعج بالصراعات والعصبيات القبلية مثل قنا التي تعد كما يقول الباحث خالد أبو الليل " أرضا خصبة للصراعات والعصبيات القبلية ومن ثم يزداد تمسكها وتغنيها بالسيرة الهلالية والتي تقوم علي مقطوعات من المعارك و الصراعات القبلية القائمة علي الثأر بين القبائل، سواء كان ثأرا داخليا (أي داخل قبائل الحلف الهلالي وبعضها البعض) أو ثأرا خارجيا (بين القبائل الهلالية وغيرها مثل "الهلايل" و"العقيلات"، "الهلايل" و"الزناتة" في تونس)وكثيرا ما تتردد المربعات الشعرية ـ داخل السيرة ـ التي تحرض أو تدافع عن قيمة الثأر".


وإن حضور الثأر في المخزون الثقافي يبلغ حدا كبيرا من الكثافة، غير أننا سوف نتوقف هنا عند أسطورتين لهما ارتباطهما الواضح بثنائية الشعر والدم المسفوك، الأولي هي أسطورة الهامة والأخرى أسطورة ميلاد الشعر مع مقتل هابيل.


الشاعر ابن بيئته، منها يستمد مكوناته الشخصية، وإليها يرجع قسم كبير من مرجعيته الثقافية، وفيها يتحقق اشتباكه مع العالم، فإذا كان المبدع ينطلق من خبرته المباشرة بالحياة بعد مرورها عبر شبكة خبرته الإبداعية، وإذا كانت تجربة الثأر تشكل واحدة من التجارب الثرية، والمليئة بالتفاصيل الإنسانية، والمشاهد الحية التي تستفز المبدع بغض النظر عن موقفه منها. فإن كل ذلك يجعلنا نتوقع ظهور عادة الثأر عند شعراء الصعيد علي النحو الذي يشبه تواجد تلك العادة في الواقع الذي يعيش فيه هؤلاء الشعراء.


وبقراءة عدد كبير من المجموعات الشعرية بهدف رصد تجليات عادة الثأر عند شعراء صعيد مصر ، لم نجد حضورا للثأر بشكل ملحوظ، ولم نجد شعرا يقبض علي تجربة لها بعدها الشخصي المميز، بمعني أننا لم نجد الشاعر الجنوبي مصغيا لتجليات عادة الثأر في الصعيد، ولم نجده مشتبكا معها، وهذا لا يعني غياب موضوع الثأر في شعرهم، بل هو حاضر لكن في إطار عام جدا لا معني فيه لكون الشاعر يقيم في الصعيد، ولا خصوصية فيه تشبه خصوصية الثأر في الصعيد، وهذا الأمر لا يخلو من دلالات عديدة، أهمها: ـ


إن ثقافة الثأر لا ترتبط بالصعيد فقط بل تمتد للثقافة العربية برمتها، وكون حوادث الثأر تشكل ظاهرة في الصعيد فهذا يرجع إلي ظروف معينة، لكنها لا تعني أن مرجعية الثأر راسخة في صعيد مصر فقط .


وإن ثقافة الثأر يمكن أن تظهر بشكل صريح ويمكن أن تكمن في النص بشكل خفي حتى أننا قد نقرأ النص دون أن ننتبه لها ، ولعل الشاعر نفسه لا ينتبه لها ، فهي ـ أي ثقافة الثأر ـ راسخة في لا شعوره، أو شعوره، وهي تفرض نفسها بقوة في ظل سياق معين، وقد يتم ذلك في صورة مباشرة وقد يظهر في صورة مراوغة، ولاشك في أننا بحاجة إلي المزيد من الدراسات التي ترصد ثقافة الثأر في إبداعنا العربي خاصة في حالاتها الخفية أو المراوغة أو المقنعة.


وإن الشاعر بوصفه منتميا لطبقة المثقفين يلتزم بالعرف العام الذي ينظر لعادة الثأر بوصفها عادة مُستهجنة ومرفوضة تتعارض مع مفهوم الدولة القائم علي سيادة القانون، ومن ثم فيحسن السكوت الشعري عنها.
وإذا كنا قد أصبنا بخيبة أمل من جراء سكوت الشاعر الجنوبي فى مصر عن تجليات عادة الثأر وعدم اشتباكه معها إلا إن المحاولة جعلتنا نتوقف عند ظاهرة نراها حاضرة في الشعر العربي المعاصر وهي ما أطلقنا عليه مصطلح ( شعرية الهامة ) نسبة إلي أسطورة ( الهامة ).


الهدهد

أرسل إلى خبرية
...تحت تصنيف: