سلفني 3 جنيه.. التطور «غير الإنساني» لوسائل الاتصال

27 مارس 2010 by: tariq ez alden


غلاف الكتاب

رغم أن التليفون المحمول صنع تحولا اجتماعيا واقتصاديا- وربما سياسيا- ضخما في المجتمع المصري منذ ظهوره قبل 12 سنة تقريبا، إلا أن أحدا لم يهتم بعمل دراسة، أو شبه دراسة عن التغير الذي أحدثه المحمول في الشخصية المصرية طوال هذه السنوات

ومن هنا تأتي أهمية ذلك الكتاب «سلفني 3 جنيه»، خاصة وأنه ليس من الكتب الاجتماعية الأكاديمية ذات «الدم التقيل»، إذ يتمتع مؤلفه د.أيمن زهري بحس ساخر حقيقي- يظهر حتي في اسم الكتاب- يمكنه من عرض المعلومة والتحليل ووجهة النظر بأسلوب ممتع، يفتقده كثير من المتخصصين في الدراسات الاجتماعية مثله إذ إنه متخصص في الدراسات السكنية ودراسات الهجرة. التخصص والأكاديمية في «سلفني 3 جنيه» كانت عامل جذب إذن، فالمؤلف حين يكتب عن تطور وسائل التواصل بين المغتربين من المصريين وأهاليهم، لا يفعل ذلك تخيلا أو افتراضا وإنما استنادا إلي بحث ميداني قام به هو شخصيا علي ما سماهم بـ«المهاجرين من العمال غير المهرة القادمين من محافظات الصعيد المختلفة»، وذلك في عدد ضخم ومتنوع من أحياء القاهرة الكبري «من مدينة نصر والحي العاشر إلي الهرم وفيصل ومدينة السادس من أكتوبر ومن المرج والمطرية إلي حلوان والتبين»، والنتيجة أن 1.3% فقط من المبحوثين أكدوا أنهم يتصلون بأهلهم عن طريق الرسائل البريدية، وأن 50% منهم يلجأون إلي الاتصال التليفوني، وتأتي تلك النسب ضمن سياق مقال شديد الجاذبية بعنوان «ابعت لي جواب» رصد فيه تطور وسائل التواصل بين المصريين في الداخل وأبنائه وأزواجهم في الغربة من الجوابات إلي شريط الكاسيت وصولا إلي الموبايل، وكيف أن رسائل زوجات الصعايدة المهاجرين إلي القاهرة- في سنوات السبعينيات- كانت تذهب دوما إلي مكان واحد هو الإمام الشافعي حيث يستقر أغلب المهاجرين فقراء الحال ويضيف: ولأن منطقة الإمام الشافعي منطقة عشوائية يختلط فيها الأحياء بالأموات فلم تكن هناك عناوين معروفة للمرسل إليهم فكانت الرسائل بدورها تذهب داخل الإمام الشافعي إلي مكان واحد كنت أحفظه عن ظهر قلب وهو «بقالة الليثي» التي تقع علي بعد خطوات قليلة من مسجد الإمام الشافعي قبالة مقهي شهير يتجمعه عليه العمال في المساء للاتفاق علي عمل الغد. ولأنه من الصعب أن يكون الكتاب مهتما بالأساس بعالم المحمول ويتجاهل أهم شوارع القاهرة التي ارتبط بذلك الجهاز المعجزة، أفرد المؤلف مقالا لسرد حدوتة شارع «عبد العزيز» وكيف بدأ يتحول أصلا من شارع تم افتتاحه علي شرف زيارة السلطان «عبد العزيز» سلطان تركيا لمصر، إلي مركز رئيسي لبيع الأدوات الكهربائية في السبعينيات، قبل أن يتحول مرة ثالثة إلي أهم مركز لبيع أجهزة المحمول الأصلية والمستعملة والمسروقة أيضا منذ التسعينيات «مع دخول كميات كبيرة من الأجهزة الكهربائية مع العائدين من دول النفط ومع اضطرار بعضهم إلي بيع بعض هذه الأجهزة، ظهرت تجارة جديدة تركزت في منطقة العتبة، وخصوصا في شارع عبد العزيز لبيع هذه الأجهزة الواردة مع العائدين، وبعد التوسع في الإنتاج المحلي لبعض الأجهزة الكهربائية وفتح باب الاستيراد علي مصراعيه تحول الشارع إلي أكبر مركز تجاري لبيع الأدوات الكهربائية في القاهرة». لا يترك «سلفني 3 جنيه» الظواهر الأخري التي طرأت علي سلوك المصريين بفعل تأثير وسائل الاتصال إلا ورصدها، مثلما فعل مع الظاهرة التي اسماها بـ«العربليزي»، وهي الطريقة التي يلجأ بها البعض لكتابة العربية بحروفة لاتينية، ويشير المؤلف إلي أنه شارك في دراسة عام 1999 حول أسباب كتابة اللغة العربية بحروف أجنبية وكانت النتيجة عدم توافر برامج الكمبيوتر العربية، أما وقد تغير الحال بعد هذه السنوات يكون السؤال لماذا يصر البعض علي الأمر نفسه حتي الآن؟ ويكون السؤال الأكثر خطورة «هل يأتي اليوم الذي يقتصر فيها استخدام اللغة العربية علي دور العبادة وأداء الشعائر الدينية مثلما هو الحال في إندونيسيا»؟! أجمل ما في صفحات الكتاب هو الجو الإنساني الحميمي الذي يغلف صفحاته المليئة بالحديث عن التكنولوجيا الخشنة، وهكذا يربط المؤلف بنعومة وذكاء وعمق بين تفاصيل باتت أثرا من ماضي ونظيرتها المعاصرة، فتجده يتحدث عن راديو عم عثمان العتيق في قريته بسوهاج حينما كان مركزاً ثقافياً مجانياً، ثم المعاني الإنسانية والرقمية لـ«الميسد كول»، وتأثير «الوصلة» الذي ربما لا تقل أهمية عن نظرية «تأثير الفراشة» الشهيرة، ليختم صفحات كتابه المهم بقوله: «نحن نتصل ولكن لا نتواصل. ما أجمل اللمسة الشخصية والهمسة الشخصية والتواصل المباشر في هذا الزمن الذي حولنا إلي مجرد أرقام.. لنتواصل»!

أرسل إلى خبرية
...تحت تصنيف: