حتى الكذب خبنا فيه ولم نعد نتقنه. – فهمي هويدي

14 مارس 2010 by: tariq ez alden






  لا يستطيع المرء أن يكتم شعوره بالغيظ، حين يقصده مذيع إحدى القنوات وسط الحراك المثير الذي تشهده مصر الآن، ويسأله:
ما الذي يمنع من أن يترشح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية

شأنه في ذلك شأن أي مواطن عادي،
ولماذا يحرم من ذلك لمجرد أنه ابن رئيس الجمهورية؟
وما الضرر في أن يشارك في أي انتخابات ديموقراطية مقبلة؟

ألقيت علي هذه الأسئلة، فذكرتني بما كدنا ننساه،
لكنني نظرت مليا إلى السائل لكي أتعرف على ما إذا كان يتخابث ويستعبط أم أنه رجل عبيط من أصله.
كنت أعرف أن أحد المنافقين فعلها في اجتماع خاص برئاسة الرئيس مبارك، حين انبرى، مشيدا بمواهب وفضائل جمال الابن، ثم تهدج صوته بعد ذلك. وأسبل عينيه ثم توجه إلى الرئيس برجاء حار متمنيا عليه ألا يظلم جمال ويحرم البلد من مواهبه وقدراته لأنه ابنه!
(فهمت من راوي القصة أنه كان يقصد إسناد منصب تنفيذي كبير إليه).
إذا نحيت وصلة النفاق المكشوفة في الفقرة السابقة، وعدت إلى أسئلة البداية ستجد لأول وهلة أن الكلام لا يخلو من منطق.
لكنك إذا دققت فيه جيدا ستكتشف أن الفرضيات، التي انبنت عليها الأسئلة مغلوطة ومغشوشة،
خصوصا الادعاء بأن جمال مبارك مواطن عادي من حقه أن يتنافس مع غيره على منصب الرئاسة،
كذلك القول إنه هو وغيره سيحتكمون إلى صناديق الانتخابات في ظل ممارسة ديموقراطية حرة ونزيهة.
دعك من الفرضية الأساسية التي تسلم بأنه سيرشح نفسه للانتخابات ضمن آخرين، لأن كثيرين يرجحون أن ذلك لن يحدث، وأن الرئيس مبارك سيرشح نفسه للمرة السادسة، وأن الزيارات والجولات التي يقوم بها في الآونة الأخيرة تمهد لذلك.
كان ردي ولا يزال أن جمال مبارك إنسان عادي ومواطن غير عادي. هو إنسان عادي شأنه شأن ملايين الشباب في مصر، ولابد أن تكون له فضائله على المستوى الإنساني، التي يشاركه فيها الملايين أيضا،
لكنه أيضا مواطن غير عادي لسبب جوهري هو أنه ابن للرئيس الذي يمسك بكل خيوط البلد في يده، الأمر الذي أتاح له أن يتصدر المشهد السياسي، ويصبح شريكا في القرار السياسي،
إذا تحرك فهو يصطحب معه فريقا من الوزراء ويتقدم عليهم بطبيعة الحال.
وإذا تكلم فإنه يتحدث باعتباره صانعا للسياسة (أليس أمينا للجنة السياسات كلها، وليس السياسة في مجال معين؟).
ناهيك عن أنه يتنقل في موكب تتقدمه سيارات الأمن، وحركته تستصحب احتياطات من نوع خاص، بعضها على الأرض وبعضها في الجو.
وأي مكان يقصده لابد أن يكون مؤمنا تماما، ولابد أن تكون القيادات التنفيذية والشعبية على الباب، في انتظاره ورهن إشارته،
أما سفرياته خارج مصر، فلها ترتيبات أخرى سياسية وأمنية ومالية، لا تعرف حدودها، إلى غير ذلك من الأوضاع الاستثنائية شديدة الخصوصية التي تحيط به،
الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل عن المعيار، الذي يحتكم إليه في وصفه بأنه مواطن عادي، وعن المشترك بين هذه الترتيبات التي تحيط به أينما حل، وبين أي مواطن عادي آخر في بر مصر.
لا يقف الاستعباط والاستهبال عند هذا الحد
(لاحظ أنني لم أطرح احتمال العبط لأن أي عبيط يستطيع أن يكذب الادعاء بأنه مواطن عادي، بالنظر إلى موكبه وليس بالعقل).
لكنه يشمل أيضا القول إنه وأقرانه من المرشحين سيحتكمون إلى الصناديق في انتخابات ديموقراطية، حرة ونزيهة. ليس فقط لأن مصر منذ قامت ثورة يوليو عام 52 لم تعرف انتخابات ديموقراطية حقيقية. أدت إلى تداول السلطة ناهيك عن حق الشعب في المشاركة والمساءلة.
ورغم أن هناك من يقول إن البلاد شهدت انتخابات حرة نسبيا في الستينيات. حين كان السيد شعراوى جمعة وزيرا للداخلية.
لكن حتى هذه كانت مجرد لقطة ديموقراطية وليست حالة ديموقراطية. ثم إنها ظلت الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ويثبتها.
من ناحية أخرى، فإن احتكار الحزب الوطني للسلطة طوال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل. أحدث نوعا من الذوبان للحزب في الأجهزة التنفيذية، بحيث أصبح يعتمد بالكامل على مساندة تلك الأجهزة وليس على التأييد أو المساعدة الشعبية.
وذلك يشكل حائلا يحول دون إجراء أي انتخابات نزيهة،
الأمر الذي يجعل فكرة الاحتكام إلى الصناديق مجرد فذلكة لغوية وفرقعة إعلامية، لا علاقة لها بما يجري على الأرض،
حتى الكذب خبنا فيه ولم نعد نتقنه.

ا- فهمى هويدى

أرسل إلى خبرية
...تحت تصنيف: